السيد حيدر الآملي
517
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [ سورة محمّد : 24 ] . ومعلوم أنّ هذه الأقوال راجعة إلى جماعة هم معرضون عن آياته ، إمّا بالإنكار وعدم القبول مطلقا كالكفّار والمشركين والمنافقين واليهود والنصارى والمجوس وأمثالهم ، وإمّا بالإعراض عنها وعدم القيام بعجائبها وإدراك معانيها . وعند التحقيق أكثر هذه الإشارات إشارة إلى المعرضين عنها بعد القبول والإقرار بها كالمسلمين المنحرفين عن فحاويها على ما هي عليها في نفس الأمر والواقفين على ظواهرها آفاقية كانت الآيات أو قرآنية ، والَّذي يفهم من هذه الأقوال وهو أنّه تعالى نظره كان على الآيات الآفاقيّة أكثر ويعضد ذلك قوله : وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ [ سورة يوسف : 105 ] . وقوله : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّه ُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّه ُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّه ُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ [ سورة فصّلت : 53 - 54 ] . أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّه ُ السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ [ سورة الرّوم : 8 ] . وبالجملة جعل المنكر لآياته الآفاقيّة والقرآنيّة مطلقا ، والمقرّ الَّذين لا يقوم بهما على ما هي عليهما تارة كالكلب وتارة كالبهائم وتارة كالسبع ، وتارة كالمشرك ، وتارة أعمى ، وتارة أصمّ ، وتارة أبكم ، وفاسقا ومحجوبا ، وغافلا وميّتا ، ومريضا ، حتّى جعلهم شرّ الدّوابّ ، لقوله : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّه ِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [ سورة الأنفال : 22 ] . والدليل على ذلك غير ما قلناه قبل هذا ، قوله : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [ سورة الأعراف : 179 ] .